أبو حامد الغزالي

258

تهافت الفلاسفة

فدل على أن الكلى المجرد عن القرائن المحسوسة ، معقول عنده ، وثابت في عقله . وذلك الكلى المعقول ، لا إشارة إليه ، ولا وضع له ، ولا مقدار ، فإما أن يكون تجرده عن الوضع والمادة ، بالإضافة إلى المأخوذ منه ، وهو محال ، فإن المأخوذ منه ، ذو وضع ، وأين ومقدار ، وإما أن يكون بالإضافة إلى الآخذ ، وهو النفس العاقلة ، فينبغي ألا يكون للنفس وضع ، ولا إليه إشارة ، ولا له مقدر وإلا لو ثبت له ذلك ، لثبت للذي حل فيه . الاعتراض ، أن المعنى الكلى الذي وضعتموه حالا في العقل ، غير مسلم ، بل لا يحل في العقل إلا ما يحل في الحس ، ولكن يحل في الحس مجموعا ، ولا يقدر الحس على تفصيله ، والعقل يقدر على تفصيله . ثم إذا فصل ، كان المفصل المفرد « 1 » عن القرائن ، في العقل ، في كونه « 2 » جزئيا كالمقرون بقرائنه ، إلا أن الثابت في العقل ، يناسب المعقول « 3 » وأمثاله ، مناسبة واحدة ، فيقال : إنه كلى على هذا المعنى ، وهو أن في العقل صورة المعقول المفرد الذي أدركه الحس أولا ، ونسبة تلك الصورة ، إلى سائر آحاد ذلك الجنس ، نسبة واحدة ، فإنه لو رأى إنسانا آخر ، لم تحدث له هيأة أخرى ، كما إذا رأى فرسا بعد إنسان ، فإنه يحدث فيه صورتان مختلفتان . ومثل هذا قد يعرض في مجرد الحس ، فإن من رأى الماء حصل في خياله صورة ، فلو رأى الدم بعده ، حصلت صورة أخرى ، فلو رأى ماء آخر ، لم تحدث صورة أخرى « 4 » بل الصورة التي انطبعت في خياله من الماء ، مثال لكل

--> ( 1 ) يعنى « المجرد » ، ولعله تعمد أن يترك عبارة الفلاسفة وهي « المجرد » لئلا يفهم منها المعنى المتبادر عندهم ، حين يتحدثون عن الإدراكات وهو أنه « كلى » . ( 2 ) هو وجه الشبه ، ولو أخره ، وجعل العبارة هكذا : « كالمقرون بقرائنه في كونه جزئيا » لكانت أوضح . ( 3 ) يعنى الشئ الخارجي الذي أدرك العقل صورته وفصلها . ( 4 ) يعنى غير صورة الماء الأولى .